منير سلطان

233

إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة

ويذكر أن المخالفين للأشعرية ذهبوا إلى إثبات السجع في القرآن وزعموا أن ذلك مما يبيّن به فضل الكلام وأنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفات وما أشبه ذلك من الوجوه التي تعرف بها الفصاحة « 1 » . وقبل الباقلاني ، قد رفض الفراء المعتزلي أن يسمى ما في القرآن سجعا ، وسمى نهايات الآيات باسم رؤوس الآيات « 2 » . وأغلب الظن أن الرماني قد استحسن رأى أبى الحسن الأشعري ، فأخذ به وعرّف الفاصلة على هذا الأساس بقوله « الفواصل حروف متشاكلة « 3 » في المقاطع توجب حسن الإفهام للمعاني والفواصل بلاغة والأسجاع عيب ، وذلك أن الألفاظ تابعة للمعاني ، وأما الأسجاع فالمعانى تابعة لها » « 4 » . ولم ير ابن سنان الخفاجي - المائل إلى الاعتزال - رأى الرماني في إنكار السجع وحمل عليه ، ذاهبا إلى أنه لا فرق بين السجع والفواصل ، وأن السجع يحمد ما دام يأتي طوعا سهلا تابعا للمعاني ، ويقول أن القرآن لم يرد فيه إلا ما هو من القسم المحمود لعلوه في الفصاحة ، ويذكر أن من فواصله متماثلا ، ويريد به المسجوع ، ومتقاربا ويريد به المزدوج « 5 » . وقد انشغل الجرجاني بنظرية النظم ، ولم يصرح برأي واضح في السجع القرآني ، ولكنه ناقشه من جانب المعنى ، فهو عنده لا يحسن إلا في نسق مستو منتظم ، وأن الجمال البلاغي لا يردّ إليه في ذاته ، كما لا يردّ إلى مجرد السهولة الظاهرة في الألفاظ والسلامة مما يسهل على اللسان « 6 » . وقد تابع الزمخشري عبد القاهر في شأن السجع « 7 » . وكذا السكاكى « 8 » .

--> ( 1 ) نفس المصدر والصفحة . ( 2 ) الفراء - معاني القرآن - 46 . ( 3 ) متشاكلة : متشابهة . ( 4 ) الرماني - النكت في اعجاز القرآن - 91 . ( 5 ) ابن سنان الخفاجي - سر الفصاحة - 165 . ( 6 ) الجرجاني - الدلائل - 342 والأسرار - 10 . ( 7 ) الزمخشري - الكشاف - 1 / 443 . ( 8 ) السكاكى - المفتاح - 221 .